مجد الدين ابن الأثير
270
النهاية في غريب الحديث والأثر
ومنه حديث خالد رضي الله عنه ( لما انتهى إلى العزى ليقطعها فجزلها باثنتين ) . وفي حديث موعظة النساء ( قالت امرأة منهن جزلة ) أي تامة الخلق . ويجوز أن تكون ذات كلام جزل : أي قوي شديد . ومنه الحديث ( اجمعوا لي حطبا جزلا ) أي غليظا قويا . ( جزم ) ( ه ) في حديث النخعي ( التكبير جزم ، والتسليم جزم ) أراد أنهما لا يمدان ، ولا يعرب أواخر حروفهما ، ولكن يسكن فيقال الله أكبر ، والسلام عليكم ورحمة الله . والجزم : القطع ، ومنه سمي جزم الإعراب وهو السكون . ( جزا ) في حديث الضحية ( لا تجزي عن أحد بعدك ) أي لا تقضي . يقال جزى عني هذا الأمر : أي قضى . ومنه حديث صلاة الحائض ( قد كن نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم يحضن ، فأمرهن أن يجزين ) أي يقضين . ومنه قولهم : جزاه الله خيرا : أي أعطاه جزاء ما أسلف من طاعته . قال الجوهري : وبنو تميم يقولون : أجزأت عنه شاة ، بالهمز : أي قضت . ومنه حديث عمر رضي الله عنه ( إذا أجريت الماء على الماء جزى عنك ) ويروى بالهمز . ومنه الحديث ( الصوم لي وأنا أجزي به ) قد أكثر الناس في تأويل هذا الحديث ، وأنه لم خص الصوم والجزاء عليه بنفسه عز وجل ، وإن كانت العبادات كلها له وجزاؤها منه ، وذكروا فيه وجوها مدارها كلها على أن الصوم سر بين الله والعبد لا يطلع عليه سواه ، فلا يكون العبد صائما حقيقة إلا وهو مخلص في الطاعة ، وهذا وأن كان كما قالوا فإن غير الصوم من العبادات يشاركه في سر الطاعة ، كالصلاة على غير طهارة ، أو في ثوب نجس ونحو ذلك من الأسرار المقترنة بالعبادات التي لا يعرفها إلا الله وصاحبها . وأحسن ما سمعت في تأويل هذا الحديث أن جميع العبادات التي يتقرب بها العباد إلى الله عز وجل - من صلاة ، وحج ، وصدقة ، واعتكاف ، وتبتل ، ودعاء ، وقربان ، وهدي ، وغير ذلك من أنواع العبادات - قد عبد المشركون بها آلهتهم ، وما كانوا يتخذونه من دون الله أندادا ، ولم يسمع أن طائفة من طوائف المشركين وأرباب النحل في الأزمان المتقادمة عبدت آلهتها بالصوم ، ولا تقربت إليها به ، ولا عرف الصوم في العبادات إلا من جهة الشرائع ،